ابن ميثم البحراني

150

شرح نهج البلاغة

من حقن دماء المأمورين ونجاتهم بامتثال الأمر به . وأمّا التبرّء فليس بصفة قوليّة فقط بل يعود إلى المجانبة القلبيّة والمعاداة والبغض وهو المنهّى عنه هاهنا فإنّه أمر باطن يمكنهم الانتهاء عنه ولا يلحقهم بسبب تركه وعدم امتثال الأمر به ضرر . وكأنّه لحظ فيها قوله تعالى « مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ولكِنْ » ( 1 ) الآية وقوله في السبّ : فإنّه لي زكاة ولكم نجاة . إشارة إلى أسباب ترخيصه في سبّه أمّا نجاتهم بسبّه فظاهرة وأمّا كونه زكاة له فلوجهين : أحدهما : ما روى في الحديث أنّ ذكر المؤمن بسوء هو زكاة له ، وذمّه بما ليس فيه زيادة في جاهه وشرفه . الثاني : أنّ الطباع تحرص على ما تمنع منه وتلحّ فيه . فالناس لمّا منعوا من ذكر فضائله والموالاة له والزموا سبّه وبغضه ازدادوا بذلك محبّة له وإظهارا لشرفه ، ولذلك إنّه عليه السّلام سبّه بنو أميّة ألف شهر على المنابر فما زاد ذكره على ذلك إلَّا علوّا ولا ازداد الناس في محبّته إلَّا غلوّا . والمنقول أنّ الَّذي أمر بقطع سبّه عمر بن عبد العزيز ، ووضع مكان سبّه من الخطبة « إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ » الآية ، ولذلك قال كثير بن عبد الرحمن يمدحه : وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف * برّيا ولم تقبل إساءة مجرم وفيه يقول الرضىّ الموسوي : يا ابن عبد العزيز لو بكت العين * فتى من أميّة لبكيتك أنت نزّهتنا عن الشتم والسبّ * ولو كنت مجزيا لجزيتك غير أنّى أقول إنّك قد طبت * وإن لم يطب ولم يزك بيتك وقوله : فإنّى ولدت على الفطرة . إلى آخره . تعليل لحسن الانتهاء عن البراءة منه ووجوبه . وأراد بالفطرة فطرة اللَّه الَّتي فطر الناس عليها وهى بعثهم إلى عالم الأجسام مأخوذا عليهم ميثاق العبوديّة والاستقامة على سنن العدل في سلوك صراطه المستقيم ، وأراد بسبقه إلى الإسلام والهجرة سبقه إلى طاعة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيما جاء به من الدين وصحبته له ومهاجرته معه مستقيما في كلّ ذلك

--> ( 1 ) 16 - 108